اضطراب ثنائي القطب والصراع مع التفكير الوسواسي
ثنائي القطب والصراع مع التفكير الوسواسي
في كثير من الأحيان، لا يكون أصعب ما في اضطراب ثنائي القطب هو نوبات الاكتئاب أو الهوس، بل الأفكار التي تُحاصر الذهن دون توقف. تلك الأفكار المتكررة والملحّة — والتي يصعب إيقافها — قد تبدأ كشيء بسيط جدًا: فكرة، موقف، أو حتى لحن عالق في الرأس، لكنها تتحول بسرعة إلى دوامة لا تهدأ.
عندما تصبح الفكرة قيدًا ذهنيًا
قد تجد نفسك عالقًا في تكرار فكرة واحدة دون سبب واضح. تحاول صرف انتباهك، تُلهي نفسك بأي نشاط، لكن الفكرة تعود مجددًا، أقوى من قبل. ربما تدور حول شيء قيل لك، أو قرار اتخذته، أو خطأ صغير ارتكبته، فتظل تحلله وتعيده في رأسك مرارًا.
وهذا التكرار المستمر لا يُتعب فقط، بل يؤثر على قدرتك على التفكير والتركيز، على نومك، على هدوءك، بل حتى على مزاجك.
هل هو وسواس أم مجرد تفكير زائد؟
الفرق بين التفكير الطبيعي والتفكير الوسواسي هو في “التحكم”. التفكير الطبيعي له نهاية، يتوقف بمجرد أن نُشبع فضولنا أو نتخذ قرارًا. أما التفكير الوسواسي، فلا يخضع لهذا المنطق.
قد تدرك أن الفكرة غير منطقية أو غير نافعة، لكنك تشعر أنك مُجبَر على العودة إليها. كأن هناك قوة داخلية تدفعك إلى إعادة تحليلها، مراجعتها، وإرهاق نفسك بها.
ما الذي يُغذي هذه الدوامة؟
في اضطراب ثنائي القطب، يمكن أن يُغذي القلق هذه النوعية من الأفكار. في حالات الهوس الخفيف، تصبح الأفكار أسرع وأكثر إلحاحًا. وفي نوبات الاكتئاب، تكون مرتبطة بندم أو جلد للذات.
كما أن الإفراط في التفكير قد يرتبط بأحداث سابقة سبّبت صدمة أو إحراجًا، فيُعيد الدماغ تكرارها كنوع من المعالجة الخاطئة.
كيف أواجه التفكير الوسواسي؟
١. لاحِظ الفكرة… وسمّها
أول خطوة هي الاعتراف بوجود الفكرة. لا تحاول مقاومتها بقوة، بل راقبها كأنك شخص خارجي. قل لنفسك: “هذه فكرة وسواسية. ليست حقيقة. هي فقط فكرة.”
٢. دوّنها
الكتابة تُخرج الفكرة من الدائرة المغلقة في رأسك. حتى لو كتبت نفس الجملة مرارًا، سيساعدك ذلك على تقليل وطأتها.
٣. لا تبقَ وحيدًا
العزلة تُغذي التفكير الوسواسي. اخرج، قابل أحدًا، تحدث مع شخص تثق به. أحيانًا مجرد الكلام يقلل من سلطة الفكرة.
٤. استخدم تمارين الذهن
التنفس العميق، التأمل، أو تمارين “الوعي اللحظي” (Mindfulness) تساعد على تهدئة الذهن. جرّب أن تركز على حواسك الخمس: ماذا تسمع؟ ماذا ترى؟ ماذا تشعر؟ هذا يعيدك إلى اللحظة بدل الغرق في الذهن.
٥. لا تجعلها هويتك
الفكرة ليست أنت. ليست جزءًا من شخصيتك أو قيمك أو مستقبلك. هي فقط “نشاط زائد في الدماغ” يمكن إدارته، وليس دليلاً على أنك غير طبيعي أو ضعيف.
ختامًا
التفكير الوسواسي جزء غير مرئي من معاناة كثير من المصابين باضطراب ثنائي القطب. لكنه ليس نهاية القصة. بالتدريب، والمساعدة، والصبر — يمكن التعايش معه وتقليل أثره.
تذكر دائمًا: لا يجب أن تصدّق كل ما تفكر فيه.
المصادر التحريرية والتحقق من الحقائق
- برافرمان وآخرون. معدل اضطراب الوسواس القهري واضطراب الوسواس القهري دون الحد الأدنى لدى مرضى الاضطراب ثنائي القطب الذين يعانون من أول نوبة اكتئاب. أبحاث الطب النفسي . أغسطس ٢٠٢١.
- تشو ت وآخرون. التأمل في الاضطراب ثنائي القطب المرتبط بشبكة الدماغ والمقاييس السلوكية للتحكم التنفيذي المثبط. مجلة أكتا نيوروسيكاتريكا . أغسطس ٢٠٢٣.
- خلخالي م. وآخرون. اضطراب الوسواس القهري والاضطراب ثنائي القطب: دراسة مقارنة. المجلة الإيرانية للطب النفسي . أبريل ٢٠٢٢.


